الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

440

انوار الأصول

على أنّ نقل القرآن الكريم قد يكون ظاهراً في الامضاء . وأمّا الروايات : فهي على طائفتين : طائفة عامّة تعمّ جميع موارد القرعة ، وقد نقلنا منها اثنتا عشرة رواية في كتابنا القواعد الفقهيّة « 1 » ، وطائفة خاصّة تختصّ بقضايا خاصّة كالتي وردت في الغنم الموطوءة أو ولد الشبهة أو النذر ، وقد نقلنا منها عشر طوائف في القواعد الفقهيّة أيضاً « 2 » ، ولا إشكال في أنّها بمجموعها بلغت حدّ التواتر ولذلك نعدّها عمدة أدلّة القرعة . وأمّا بناء العقلاء : فلا إشكال أيضاً في أنّ سيرة العقلاء جرت على القرعة في الأمور المشكلة عليهم التي تنجرّ إلى التنازع والتشاحّ ، فراجع لتفصيل البيان والموارد المختلفة في تداول القرعة بينهم كتاب القواعد الفقهيّة أيضاً « 3 » . وأمّا الإجماع : فلا ريب أيضاً في أنّ اتّفاق الأصحاب قام على حجّية القرعة ، نعم لا أقلّ من أنّه محتمل المدرك فلا يمكن الركون إليه خاصّة . الأمر الثاني : في موارد القرعة وهي عند العقلاء منحصرة بموارد مظنّة التنازع والتشاحّ ، ولكن مواردها عند الشارع المقدّس أوسع منها ( وهذا ممّا وسّع الشارع فيه ما بنى عليه العقلاء ) فلا إشكال في جريان القرعة في الغنم الموطوءة مثلًا عند فقهاء الأصحاب ، وقد وردت روايات عديدة تدلّ عليه . ثمّ إنّ المستفاد من روايات الباب جريان القرعة في المجهول المطلق مطلقاً سواء كان له واقع محفوظ اشتبه علينا فتكون القرعة أمارة وكاشفة عنه كما في ولد الشبهة والغنم الموطوءة ، أو لم يكن له واقع مجهول فتجري القرعة ، لمجرّد رفع التنازع والتشاحّ كما في موارد تزاحم الحقوق أو المنازعات ، ويمكن أن يقال : إنّ مورد قصّة زكريا وولادة مريم من هذا القبيل ( كما أنّه لا ريب في أنّ مورد قصّة يونس عليه السلام من قبيل القسم الأوّل ) حيث إنّ الرجوع إلى القرعة فيها كان لرفع تشاحّ أحبار بني إسرائيل في كفالة مريم ، اللهمّ إلّا أن يقال : أنّ جريان القرعة فيها أيضاً كان لتعيين الواقع ، أي تعيين من هو أفضل وأولى لكفالة مريم وتربيتها ، ولذا وقعت

--> ( 1 ) راجع القواعد الفقهيّة : ج 2 ، ص 126 - 132 . ( 2 ) المصدر السابق : ص 133 - 148 . ( 3 ) المصدر السابق : ص 150 .